الثعلبي

60

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

روى القاسم بن سلام عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم ، قال : كان عبد اللّه يذكّر الملائكة في القرآن ، قال أبو عبيدة : إنما يرى [ أن ] اللّه اختار ذلك خلافا على المشركين في قولهم : الملائكة بنات اللّه فأراد بالتذكير هاهنا إكذابهم . وروى الشعبي أن ابن مسعود قال : إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياء وذكّروا القرآن « 1 » . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : إذا كان الحرف في القرآن تاء وياء فأجعلوها ياء . وأراد بالملائكة هاهنا : جبريل وحده ؛ وذلك أنّ زكريا الحبر الكبير الذي تعهد بالقربان ، وبفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول ، فبينا هو قائم في المسجد عند المذبح يصلي والناس ينتظرونه أن يأذن لهم في الدخول ، إذ هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه وهو جبريل : يا زكريا أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى فذلك قوله : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ : يعني جبريل وحده نظيره قوله في هذه السورة وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ « 2 » : يعني جبريل وحده ، وقوله في النحل : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ « 3 » : يعني جبريل ما يروح بالوحي ؛ لأنّ الرسول إلى جميع الأنبياء جبريل ( عليه السلام ) ، يأت عليه قوله ابن مسعود ، فناداه جبريل وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ : وهذا جائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم : ركب فلان في السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة ، وخرج على بغال البريد ، وإنما على بغل واحد ، وسمعت هذا الخبر من الناس ، وإنما سمع من واحد نظير قوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ « 4 » : يعني نعيم بن مسعود . إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ « 5 » : يعني أبا سفيان ونحوها كثرة . وقال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيسا فيجوز الإخبار عنه بالجمع ؛ لاجتماع أصحابه معه ، فلمّا كان جبريل رئيس الملائكة وكل ما يبعث إلّا ومعه جمع منهم فهي على هذا . وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ : يعني في المسجد ، نظيره قوله : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ « 6 » : أي المسجد ، وقوله : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ « 7 » : أي المسجد ، وهو مفعال من الحرب ، قيل : سمي بهذا ؛ لأنّه تحارب فيه الشيطان ، كما قيل : مضمار للميدان الذي تضمر فيه الخيل ، وأمال ابن عامر المحراب في جميع القرآن ، وفخّمه الآخرون .

--> ( 1 ) المصنّف لابن أبي شيبة : 7 / 202 ، وفيه : فإنّ القرآن ذكّر فذكّروه ، ورواه الشعبي عن علقمة عن عبد اللّه . ( 2 ) سورة آل عمران : 42 . ( 3 ) سورة النحل : 2 . ( 4 ) سورة آل عمران : 173 . ( 5 ) سورة آل عمران : 173 . ( 6 ) سورة مريم : 11 . ( 7 ) سورة ص : 21 .